ابن قيم الجوزية

657

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

المهمة التي لا غنى للعبد عنها في دينه ودنياه ، ودلت على أن نفوس الحاسدين وأعينهم لها تأثير ، وعلى أن الأرواح الشيطانية لها تأثير بواسطة السحر والنّفث في العقد . وقد افترق العالم في هذا المقام أربع فرق . ففرقة : أنكرت تأثير هذا وهذا . وهم فرقتان . فرقة : اعترفت بوجود النفوس الناطقة والجن ، وأنكرت تأثيرهما البتة . وهذا قول طائفة من المتكلمين ممن أنكر الأسباب والقوى والتأثيرات . وفرقة أنكرت وجودهما بالكلية . وقالت : لا وجود لنفس الآدمي سوى هذا الهيكل المحسوس ، وصفاته وأعراضه فقط . ولا وجود للجن والشياطين سوى أعراض قائمة به . وهذا قول كثير من ملاحدة الطبائعيين وغيرهم من الملاحدة المنتسبين إلى الإسلام . وهو قول شذاذ من أهل الكلام الذين ذمهم السلف ، وشهدوا عليهم بالبدعة والضلالة . الفرقة الثانية : أنكرت وجود النفس الإنسانية المفارقة للبدن ، وأقرت بوجود الجن والشياطين ، وهذا قول كثير من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم . الفرقة الثالثة : بالعكس ، أقرت وجود النفس الناطقة المفارقة البدن ، وأنكرت وجود الجن والشياطين . وزعمت أنها غير خارجة عن قوى النفس وصفاتها . وهذا قول كثير من الفلاسفة الإسلاميين وغيرهم . وهؤلاء يقولون إن ما يوجد في العالم من التأثيرات الغريبة والحوادث الخارقة فهو من تأثيرات النفس ، ويجعلون السحر والكهانة كله من تأثير النفس وحدها ، بغير واسطة شيطان منفصل ، وابن سينا وأتباعه على هذا القول ، حتى إنهم يجعلون معجزات الرسل من هذا الباب . ويقولون إنما هي من تأثيرات النفس في هيولى العالم . وهؤلاء كفار بإجماع أهل الملل . ليسوا من أتباع الرسل جملة .